قبل اشتغل شغله

«أمال هعمل إيه؟»

«هتقعدي في الحديقة، تشربي الشاي، وتفكري إنتِ عايزة تعملي إيه لنفسك.»

ضحكت.

«حضرتك بتدفع لي فلوس عشان أقعد أشرب شاي؟»

رد بجدية:

«أنا بدفع لك فلوس عشان تساعديني. وأول مساعدة محتاجها منك إنك تتعلمي إن الراحة مش جريمة.»

ماعرفتش أرد.

لكن من اليوم ده، بقيت كل يوم أقعد ربع ساعة في الحديقة قبل ما أبدأ شغلي.

وفي الأول، كنت بقضيها وأنا بفكر في الغسيل والعشا والفواتير.

وبعد أسبوع، بقيت أبص للشجر.

وبعد أسبوعين، بقيت أجيب معايا كراسة صغيرة وأكتب فيها أي حاجة تيجي على بالي.

وفي يوم، كتبت أول جملة:

«أنا تعبانة، ومش عايزة أفضل تعبانة طول عمري.»

قفلت الكراسة بسرعة، كأني كتبت سر خطير.

لكن الحاج محمود شافني وأنا بحطها في شنطتي.

قال من مكانه:

«كتبتي إيه النهارده؟»

قلت بتوتر:

«ولا حاجة.»

ابتسم.

«يبقى أكيد حاجة مهمة.»

عدت الأيام، وبقيت أعرف عن الحاج محمود حاجات كتير.

عرفت إنه كان مهندس معماري، وإنه شارك في تصميم مبانٍ كبيرة في القاهرة والإسكندرية، وإنه سافر سنين طويلة عشان شغله.

عرفت إنه كان بيحب مراته، سلوى، حب هادي وعميق، وإنها كانت الوحيدة اللي تقدر تقوله إنه غلطان من غير ما يحس إنها بتقلل منه.

وعرفت كمان إن عنده بنت اسمها منى، وابن اسمه شريف، الاتنين عايشين بعيد، وكل واحد عنده شغله وأسرته.

كانوا بيتصلوا بيه من وقت للتاني، ويزوروه على فترات متباعدة، لكنه عمره ما كان بيشتكي منهم.

في مرة، وأنا برتب الأدوية، لقيت علبة صغيرة فيها صور قديمة.

استأذنته قبل ما أفتحها، ولما وافق، قعدنا نتفرج عليها.

في صورة، كان شاب طويل لابس بدلة بسيطة، واقف جنب ست جميلة بتضحك للكاميرا.

قلت:

«دي مدام سلوى؟»

ابتسم بحزن.

«آه. كانت بتضحك كده على طول، حتى لما الدنيا تبقى مقلوبة.»

بصيت للصورة شوية، وبعدين قلت:

«واضح إنها كانت بتحبك أوي.»

فضل ساكت، وبعدها قال:

«كانت بتحبني، بس الأهم إنها كانت شايفاني. مش شايفة المهندس محمود اللي الناس بتصفق له، ولا الراجل اللي عنده فلوس ومشاريع. كانت شايفة محمود نفسه، بكل عيوبه وعناده وخوفه.»

قلب الصورة بين إيديه.

«لما ماتت، اكتشفت إن البيت ممكن يفضل مليان حاجات، لكنه يبقى فاضي جدًا.»

حسيت إن الكلام خارج من مكان موجوع جواه.

قلت:

«وأولاد حضرتك؟»

رفع عينيه للصورة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *