قبل اشتغل شغله
ضحكت.
«أمال هنعمل إيه؟»
أشار للصناديق.
«هنرتب الأرشيف.»
بدأنا بالمكتبة، وكنت بطلع الكتب واحدة واحدة، وهو بيقول لي إيه اللي نحتفظ بيه وإيه اللي ممكن يتنقل لمكان تاني.
لقينا رسومات لمبانٍ قديمة، وخطابات شكر من جهات اشتغل معاها، وصور من سفره، ودفاتر مكتوب فيها ملاحظات هندسية بخط صغير ومنظم.
وفي صندوق خشب قديم، لقيت مجموعة رسائل مربوطة بشريط أزرق.
سألته:
«دي إيه يا حاج؟»
بص للصندوق، وملامحه هديت.
«خطابات سلوى.»
ما فتحتهاش.
كنت هحط الصندوق في مكانه، لكنه قال:
«استني.»
قربت منه.
مسك واحدة من الرسائل، وفضل يقلبها بين إيديه.
«دي أول رسالة كتبتها لي بعد ما اتجوزنا. كنت مسافر شغل في أسوان، وهي كانت لسه في بيت أبوها. كنا بنتكلم في التليفون، لكن هي كانت بتحب تكتب.»
ابتسم وهو بيبص للخط.
«كانت بتقول لي إنها مش محتاجة هدايا غالية، وإنها نفسها أرجع بدري وأقعد معاها من غير ما أبص في الساعة كل خمس دقايق.»
سكت.
«كنت أفتكر إن كل ده كلام عاطفي، وإن الأهم إني أوفر لها حياة كويسة. وكنت فعلًا بحاول. لكن ساعات كنت بنسى إن الحياة الكويسة مش مجرد بيت واسع وفلوس.»
حط الرسالة في الصندوق.
«كنت بقول لها بعدين. بعدين نخرج، بعدين نسافر، بعدين نقعد نتكلم براحتنا.»
رفع عينيه ليا.
«لحد ما بقى مفيش بعدين.»
حسيت إن قلبي اتقبض.
قلت:
«بس حضرتك عشتوا مع بعض سنين طويلة.»
ابتسم.
«آه، وعشنا أيام جميلة كتير. وأنا مش ندمان على حياتي. لكن الإنسان لما يكبر، بيشوف الحاجات اللي كانت قدامه وماخدش باله منها.»
فضلنا نرتب الأوراق، لكني بقيت أفكر في كلامه.
كنت دايمًا مستنية سامح يتغير، ويبقى أحن، ويسألني عن يومي، ويلاحظ تعبي من غير ما أتكلم.
لكن هل أنا نفسي كنت بدي حياتي فرصة تتغير؟
هل كنت بطلب اللي محتاجاه بوضوح، ولا كنت مستنية الناس تفهم من سكوتي؟
وهل كان ينفع أفضل مستنية لحد ما يبقى الوقت متأخر؟
في آخر اليوم، خلصنا ترتيب أول جزء من الأرشيف.
الحاج محمود كان تعبان، فساعدته يرجع للصالون، وجبت له مية.
قبل ما أمشي، ناداني.
«سارة.»
لفيت.
«نعم؟»
قال:
«أنا عايزك تساعديني في حاجة مهمة الأسبوع الجاي.»
«حاضر يا حاج. إيه هي؟»
بص للمكتبة وقال:
«عايز أجمع كل الرسومات والمخططات القديمة في ملف منظم، وأكتب معاها حكاية كل مشروع. مش عايز اللي ييجي بعدي يشوفها مجرد ورق قديم.»