قبل اشتغل شغله
بعد ما شريف ومنى مشيوا، قعدت مع الحاج محمود في الحديقة.
قلت له:
«فاكر أول يوم جيت فيه هنا؟»
ابتسم.
«طبعًا.»
«أنا يومها كنت محتاجة الفلوس بس.»
هز راسه.
«وأنا كنت محتاج حد يساعدني في يومي.»
ضحكت.
«وماكانش حد فينا يعرف إن الموضوع هيوصل لكده.»
بص للياسمين وقال:
«الحياة مش دايمًا بتدينا اللي بندور عليه بنفس الشكل. ساعات بندخل باب عشان سبب، ونكتشف وراه حاجة تانية.»
سكت شوية، وبعدين قال:
«بس أهم حاجة إنك ما تنسيش نفسك تاني.»
ابتسمت.
«مش هنسى.»
في آخر أيام الربيع، كانت الحديقة مليانة ياسمين، والمكتبة بقت مكان معروف للناس اللي بتحب القراءة.
كنت خلصت جزء كبير من دراستي، وبقيت أقدر أساعد الطلبة في تنظيم أبحاثهم والوصول للمراجع المناسبة، وبدأت أكتب حكايات قصيرة عن المباني القديمة والناس اللي عاشوا فيها.
سامح بقى يشارك أكتر في البيت، وعلاقتنا اتحسنت بالتدريج، مش من غير خلافات، لكن بقى فيه كلام بدل السكوت، ومحاولات بدل الانتظار.
كريم وملك بقوا يعتمدوا على نفسهم، وبقينا نقعد مع بعض أحيانًا من غير ما يكون فيه طلبات أو شغل لازم يخلص.
أما الحاج محمود، فكان يقضي وقتًا أطول في الراحة، لكنه كان سعيدًا كلما سمع صوت الشباب في المكتبة، أو عرف إن كتابًا قديمًا ساعد طالبًا في بحثه.
وفي يوم، طلب مني أجيب له كراستي.
جبتها، وقعدت جنبه.
قال:
«عايزك تقري لي أول حاجة كتبتيها فيها.»
فتحت الكراسة، وقلبت الصفحات لحد ما وصلت لأول جملة.
«أنا تعبانة، ومش عايزة أفضل تعبانة طول عمري.»
قرأتها بصوت عالي، وبعدين بصيت له.
ابتسم.
«كنتِ صادقة أوي يومها.»
قلت:
«كنت موجوعة.»
رد:
«والنهارده؟»
فكرت شوية، وبعدين قلت:
«النهارده لسه بتعب، ولسه بخاف، ولسه فيه أيام بحس فيها إني مش قادرة. بس بقيت أعرف أطلب المساعدة، وأعرف أرتاح من غير ما ألوم نفسي، وأعرف إن مش كل حاجة لازم تتعمل في نفس اللحظة.»
هز راسه برضا.
«يبقى اتعلمتي.»
بصيت له وقلت:
«وأنت يا حاج؟ اتعلمت إيه؟»
فضل ساكت شوية، وبعدين قال:
«اتعلمت إن البيت مش الحيطان اللي بنبنيها، ولا الكتب اللي بنجمعها، ولا المشاريع اللي بنفتخر بيها. البيت الحقيقي هو المكان اللي تقدر تكون فيه على طبيعتك، من غير ما تضطر تثبت إنك قوي طول الوقت.»
ابتسمت.
«يبقى المكتبة دي بيت حقيقي.»
ضحك بهدوء.