قبل اشتغل شغله
تاني يوم، رحت للحاج محمود ومعايا كيس صغير فيه شتلات ياسمين، وكنت متحمسة بشكل غريب.
أول ما شافني، بص للكيس وقال:
«إيه ده؟»
رفعته قدامه بفخر.
«الركن بتاع مدام محمود. اتفقنا نرجعه للحياة، فاكر؟»
ابتسم، وطلب مني أجيب كرسيه المتحرك الصغير اللي كان بيستخدمه في الحديقة لما يتعب من المشي.
ساعدته لحد ما وصلنا للركن، وقعدته في مكان يشوف منه الشجر.
وبعدين بدأت أشيل الأصص المكسورة، وأنضف التراب، وأجهز المكان للشتلات.
كان الحاج محمود بيتابعني من غير ما يتكلم، وبعد شوية سألني:
«إنتِ زرعتي قبل كده؟»
قلت وأنا بحفر حفرة صغيرة:
«آه، زمان. كنت بزَرع نعناع وريحان وياسمين في بلكونة بيت أمي. كانت بتقول لي إن الزرع شبه العيال، لو سقيتيه زيادة يختنق، ولو نسيتيه يموت، ولازم تعرفي هو محتاج إيه.»
ضحك الحاج محمود.
«أمك كانت ست حكيمة.»
ابتسمت بحنين.
«أوي. ربنا يرحمها.»
سكتنا شوية، وبعدها قلت من غير ما أبص له:
«عارف يا حاج، أنا كنت بحب الزرع جدًا. بعد ما اتجوزت، نقلت كل حاجة معايا في البيت الجديد. بس مع الوقت، انشغلت، وكل الزرع مات.»
رد بهدوء:
«وإنتِ كمان؟»
وقفت إيدي في التراب.
بصيت له.
«أنا كمان إيه؟»
«إنتِ كمان انشغلتي لحد ما حاجة جواكي ماتت؟»
السؤال خلاني أسكت.
كان سهل أقول له لأ، وأضحك، وأغير الموضوع.
لكن مش عارفة ليه، قدام الراجل ده، كنت بحس إن الكذب على نفسي أصعب من الاعتراف.
قلت بصوت واطي:
«يمكن.»
هز راسه، وماحاولش يواسيني بكلام جاهز.
بس قال:
«يبقى نزرع الاتنين.»
ضحكت وسط دموعي.
«هو حضرتك ناوي تزرعني في الجنينة؟»
ضحك هو كمان، ولأول مرة سمعت ضحكته عالية.
«لا يا ستي، أنا راجل عندي تمانين سنة، مش فاضي للمشاكل دي. أنا هزرع الياسمين، وإنتِ تولّي بالك من نفسك.»
فضلنا نضحك، والشمس كانت بتتحرك فوق رؤوسنا ببطء.
ولما خلصنا، كان الركن القديم بقى فيه حياة بسيطة، شتلات صغيرة، وتراب متساوي، وكرسي نضيف، ونافورة لسه محتاجة إصلاح.
وقفت أبص للمكان، وحسيت بفرحة صغيرة.
فرحة ماكانش ليها علاقة بفلوس ولا بإنجاز كبير.
فرحة إني عملت حاجة بحبها.
ولما رجعت أساعد الحاج محمود يدخل البيت، قال لي:
«سارة، عايز أطلب منك طلب.»
قلت:
«اتفضل يا حاج.»
«من بكرة، أول ربع ساعة من شغلك مش هتعملي فيها أي حاجة تخصني.»
بصيت له باستغراب.