قبل اشتغل شغله
لكن مع الوقت، بقيت أكتب بثقة أكبر، وأراجع اللي كتبته، وأسأل لما ما أفهمش.
وبدأت أستعد لامتحاناتي بجد.
كنت بصحى بدري أراجع ساعة قبل ما العيال يصحوا، وأذاكر في وقت الراحة بالمكتبة، وأخصص جزء من الليل للمراجعة.
سامح بدأ يساعد في بعض شغل البيت، وكريم وملك اتعلموا إن البيت مش مسؤولية شخص واحد.
أحيانًا كنت بتعب، وأحيانًا كنت بتضايق لما الوقت ما يكفيش، لكن الفرق إني ما بقيتش أعتبر التعب دليل على إن حلمي غلط.
كنت أتعلم أوازن، وأطلب المساعدة، وأقبل إن بعض الحاجات ممكن تستنى.
أما الحاج محمود، فكانت أيامه بتختلف.
في أيام كان حاضر الذهن، يحكي لنا حكايات طويلة عن حياته، ويضحك على مواقف قديمة.
وفي أيام تانية، كان بيتعب بسرعة، ويحتاج يقعد في هدوء.
كنا بنتعامل مع كل يوم حسب قدرته، وبنرجع للدكتور لما نلاحظ أي تغيير يستدعي المتابعة.
وفي كل الأحوال، ماكانش حد بيعامله كأنه فقد حقه في الاختيار لمجرد إنه كبر.
كان ليه رأيه، وقراراته، ووقته اللي يحب يقضيه بالطريقة اللي تريحه.
وفي صباح هادي، كنت قاعدة جنبه في الحديقة، بقرأ له من كتاب جديد.
قاطعني وقال:
«سارة، فاكرة أول يوم جيتي فيه هنا؟»
ضحكت.
«أيوه. حضرتك قلت لي إني بتحرك بسرعة.»
ابتسم.
«وإنتِ قلتي إن دي طبيعة حياتك.»
هزيت راسي.
«كنت فاكرة إن ده الطبيعي.»
بص للشتلات اللي كبرت، والياسمين اللي بدأ يطلع أول زهوره.
«أهو، اتعلمتي إن الإنسان ممكن يغير حاجات كان فاكرها جزء ثابت منه.»
سكت شوية، وبعدها قال:
«أنا عايز أوريك حاجة.»
طلب مني أساعده يدخل المكتبة، وبعدها فتح درج مكتبه، وطلع ظرف أبيض كبير.
كان مكتوب عليه اسمي.
بصيت له باستغراب.
«ده إيه؟»
قال:
«افتحيه.»
فتحت الظرف، ولقيت جواه ورقة مكتوبة بخط إيده، ومعاها نسخة من اتفاق مكتوب بينه وبين أولاده بخصوص استمرار المكتبة، وتنظيم العمل فيها، وحفظ الأرشيف.
وفي آخر الورقة، كان كاتب:
«إلى سارة، التي دخلت هذا البيت وهي تظن أنها جاءت لتساعد رجلًا عجوزًا على قضاء يومه، ثم اكتشفت معه أن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة لمجرد أنه نسي نفسه فترة طويلة.»
وقفت عند الجملة، وعيني اتملت بالدموع.
كمل الحاج محمود:
«أنا عايزك تكملي شغلك هنا طالما إنتِ حابة، وطالما ظروفك تسمح. وعايزك تعرفي إن كل اللي اتعلمتيه من الكتب والحديقة والكلام اللي بينا، ده حقك ومجهودك. مش هدية مني.»