قبل اشتغل شغله

حسيت بحزن حقيقي عليه.

راجل عاش عمر طويل، بنى مشاريع وبيوت، وشاف بلاد كتير، وفي الآخر بقى قاعد في بيت واسع بيكلم ذكرياته.

قلت له بهدوء:

«طب ما نرجع نزرع الركن ده يا حاج.»

رفع عينيه ليا.

«إنتِ عايزة؟»

ابتسمت.

«آه. ممكن نبدأ بالياسمين. أنا بحبه.»

فضل يبص لي لحظات، وبعدين ابتسم.

«يبقى بكرة نبدأ.»

ماكنتش أعرف إن الجملة الصغيرة دي هتبقى أول اتفاق حقيقي بيني وبين نفسي من سنين.

رجعت البيت بعد الظهر، وكنت شايلة في إيدي كيس فيه شوية خضار اشتريتهم في طريقي.

لقيت جوزي، سامح، قاعد في الصالة بيتفرج على التلفزيون، وأول ما سمع صوت المفتاح، بص في الساعة.

«إنتِ اتأخرتي ليه؟»

حطيت الكيس على المطبخ وقلت:

«كنت عند الحاج محمود، وقعدنا شوية نقرأ كتاب، وبعدها اتكلمنا عن الحديقة.»

رفع عينه من التلفزيون.

«حديقة إيه؟ إنتِ رايحة تشتغلي عند راجل عجوز ولا رايحة تتفسحي؟»

حسيت إن ابتسامتي اختفت، لكن حاولت أتكلم بهدوء.

«يا سامح، أنا خلصت كل اللي طلبه مني. هو كان محتاج حد يقعد معاه شوية، والوقت كان لسه موجود.»

رد ببرود:

«المهم آخر الشهر الفلوس تبقى موجودة. إحنا مش ناقصين كلام فاضي.»

كنت على وشك أرد، لكن ابني كريم خرج من أوضته وهو ماسك موبايله.

«ماما، هو العشا إمتى؟»

بصيت له وقلت:

«نص ساعة يا حبيبي.»

«طب بسرعة عشان أنا خارج.»

وبعدها دخل تاني من غير ما يسألني حتى عن يومي.

بنتي ملك كانت قاعدة على الكنبة التانية بتكتب على اللابتوب، رفعت راسها لحظة وقالت:

«ماما، لو سمحتي اغسلي البلوزة الزرقا بتاعتي عشان عندي مشوار بكرة.»

قلت لها:

«حاضر.»

رجعت تبص في الشاشة.

وقفت في نص الصالة، وبصيت للتلاتة اللي كنت بعتبرهم حياتي كلها.

ماكانش حد فيهم بيكرهني، ولا كان حد فيهم بيحاول يأذيني عمدًا. لكن كل واحد اتعود ياخد مني حاجته من غير ما يفكر إن ورا الحاجات دي إنسانة بتتعب، وبتزعل، وبتحتاج حد يسألها هي كمان.

دخلت المطبخ، وبدأت أجهز العشا.

وأنا بقطع الخضار، افتكرت سؤال الحاج محمود.

«إنتِ بتحبي إيه؟»

فجأة، لقيت دموعي بتنزل على إيدي.

مسحتها بسرعة قبل ما حد يدخل ويشوفني.

ماكانش عندي وقت أعيط.

كان عندي عشا لازم يخلص، وغسيل لازم يتعمل، وبيت لازم يترتب.

لكن لأول مرة، وأنا بعمل كل ده، حسيت إني مش مجرد ست تعبانة.

حسيت إني ست اختفت من حياتها من غير ما حد ياخد باله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *